يحب الناس الاستماع لأصوات الخربشة والهمس في مقاطع الـ ASMR لأنها ليست
مجرد أصوات عادية، بل هي محفزات تطلق استجابة عصبية بيولوجية حقيقية تُشعر الدماغ
بالأمان، وتخفض معدل ضربات القلب، وتُحدث حالة فريدة من "الاسترخاء اليقظ". إنها
ليست وهماً، بل هي آلية تهدئة طبيعية تحاكي مشاعر الاهتمام الشخصي والترابط
الاجتماعي التي عاشها الإنسان منذ طفولته.
إذا كنت تشعر بدغدغة غريبة (إحساس لطيف أو تنبيه عصبي لطيف) أو قشعريرة ممتعة عند
سماع هذه الأصوات، فأنت في المكان الصحيح. في السطور القادمة، سأشرح لك سر هذا
الشعور علمياً، ولماذا يكرهه البعض، وكيف يمكنك الاستفادة منه لتحسين نومك.
ما هو شعور الـ ASMR بالضبط؟ (أكثر من مجرد صوت)
مصطلح ASMR هو اختصار لـ (Autonomous Sensory Meridian Response)، أو
"استجابة القنوات الحسية الذاتية". لكن بعيداً عن التعقيد العلمي، دعنا نصف
الشعور كما نشعر به واقعياً.
إنه ليس مجرد سماع للصوت، بل هو تجربة جسدية كاملة. تبدأ عادةً بـ "رعشة خفيفة"
أو تنميل لذيذ في أعلى فروة الرأس، ثم يسري ببطء ولطف نزولاً عبر الرقبة والعمود
الفقري، وصولاً إلى الكتفين. يصاحب هذا التنميل حالة عميقة من الهدوء النفسي،
وكأن دماغك يتلقى "مساجاً" من الداخل.
هذه الحالة تحدث كرد فعل لمحفزات معينة (Triggers)، أشهرها:
- الهمس: الصوت الهادئ القريب من الأذن.
- الخربشة (Scratching): الاحتكاك الخفيف والمستمر.
- تقليب الصفحات: الصوت الورقي الهش.
- الاهتمام الشخصي: عندما يتحدث صانع المحتوى وكأنه يعتني بك شخصياً.
العلم يحسم الجدل: هل الـ ASMR حقيقي أم وهم؟
لسنوات طويلة، كان يُعتقد أن هذا الشعور مجرد إيحاء نفسي، لكن الدراسات الحديثة
أثبتت عكس ذلك تماماً بالأرقام والصور الإشعاعية (صور التصوير العصبي للدماغ).
بصفتي متابعاً دقيقاً لهذا المجال، استوقفتني ثلاث دراسات محورية تفسر ما يحدث
داخل أجسادنا:
1. تأثير مباشر على الدماغ (دراسة دارتموث 2018)
عند وضع الأشخاص الذين يشعرون بالـ ASMR تحت جهاز الرنين المغناطيسي الوظيفي
(fMRI)، أظهرت أدمغتهم نشاطاً ملحوظاً في منطقتين:
- النواة المتكئة (Nucleus Accumbens): وهي المنطقة المسؤولة عن المكافأة والرضا.
- القشرة الجبهية: المسؤولة عن تنظيم العواطف والتواصل الاجتماعي.
هذا يعني أن الشعور بالراحة حقيقي كيميائياً وكهربائياً داخل المخ.
2. جسدك يهدأ فعلياً (دراسة شيفيلد)
أثبتت هذه الدراسة أن مشاهدة مقاطع الـ ASMR تؤدي إلى انخفاض معدل ضربات
القلب بمقدار 3.41 دقة في الدقيقة في المتوسط. المثير للدهشة أن هذا الانخفاض
يصاحبه زيادة في "الموصلية الجلدية"، مما يعني أن الجسم يدخل في حالة نادرة تجمع
بين الاسترخاء العميق والتيقظ الحسي في آن واحد.
3. لماذا نلجأ إليها؟ (دراسة سوانزي 2015)
في استبيان شمل 475 شخصاً، أكد 80% منهم أنهم يستخدمون هذه المقاطع للمساعدة على
النوم، بينما أشار مرضى الألم المزمن والاكتئاب إلى تحسن مؤقت في أعراضهم.
تجربتي الشخصية: من كرسي الحلاق إلى فيديوهات الهمس
قبل أن أعرف مصطلح ASMR بسنوات، كنت أعيش هذا الشعور في مواقف حياتية
عفوية، وأعتقد أن الكثير منكم مر بنفس التجربة.
أتذكر بوضوح ذلك الشعور عند الجلوس على كرسي الحلاقة؛ اللحظة التي يضع فيها
الحلاق الماكينة على جزء معين من رأسي، أو عندما يمرر موس الحلاقة برفق أسفل
الرقبة من الخلف. كنت أشعر بقشعريرة ممتعة تجعلني أرغب في إغلاق عيني والاستسلام
للنعاس.
لاحقاً، اكتشفت أن هذا الشعور يتكرر معي عند مشاهدة فيديوهات الهمس، أو حتى عندما
يهمس لي شخص ما في أذني بصوت منخفض. الأمر لا يتعلق فقط بالصوت، بل بـ "دفء وهدوء
وقرب" الصوت. حتى فيديوهات المساج والحلاقة التي نشاهدها الآن على يوتيوب ليست
مجرد محتوى بصري، بل هي استحضار لتلك الذاكرة الحسية التي تشعرنا بالاسترخاء.
الاستجابة المعاكسة: لماذا يكرهه البعض؟ (الميزوفونيا)
قد ترسل هذا المقال لصديق فيخبرك بأن أصوات الهمس والمضغ تصيبه بالغضب لا
بالراحة! هذا طبيعي جداً، وهنا تكمن المفارقة العجيبة.
يوجد ما يسمى بـ الميزوفونيا (Misophonia) أو "كراهية الصوت"، وهي حالة
تسبب غضباً شديداً وتوتراً عند سماع أصوات معينة مثل المضغ أو التنفس.
- المفاجأة: تشير البيانات إلى أن هناك تداخلاً كبيراً بين الحالتين؛ فحوالي 43% إلى 49% من الأشخاص الذين يستمتعون بالـ ASMR يعانون أيضاً من الميزوفونيا. وأنا أيضًا.
- التحليل: السبب هو أن كلا الفريقين يمتلكان حساسية حسية مفرطة (Sensory Sensitivity). الفرق الوحيد هو في ترجمة الدماغ للصوت؛ فإما أن يفسره كإشارة أمان ومتعة (ASMR)، أو كإشارة تهديد وإزعاج (ميزوفونيا).
تاريخ الظاهرة: كيف تحولت من "شعور غامض" إلى تريند عالمي؟
قبل 2007: كان الشعور موجوداً دائماً (كما في تجربتي مع الحلاقة)، لكنه كان تجربة
فردية صامتة لا يجد الناس كلمات لوصفها.
2007 - 2010: بدأ الناس يصفون هذه "دغدغة الدماغ أو قشعريرة دماغية" في المنتديات
الرقمية، واكتشفوا أنهم ليسوا وحدهم.
2010: قامت "جينيفر ألين" (Jennifer Allen) بصياغة المصطلح العلمي ASMR،
مما أخرج الظاهرة من مجرد "أحاديث منتديات" إلى مصطلح معترف به جذب انتباه
الباحثين وصناع المحتوى.
كيف تستفيد من الـ ASMR؟
في عصر مليء بالضجيج الرقمي والتوتر المستمر، لم يعد الـ ASMR مجرد
رفاهية، بل أصبح أداة للصحة النفسية.
إذا كنت تعاني من الأرق أو القلق، أنصحك بالتالي:
💙 جرب محفزات مختلفة:
لا تحكم على التجربة من فيديو واحد. إذا لم يعجبك "الأكل"، جرب "الخربشة" أو
"تمثيل الأدوار" (Roleplay).
استخدم سماعات الرأس: الـ ASMR يعتمد بشكل كبير على الصوت ثلاثي الأبعاد (Binaural) لتشعر وكأن الصوت يدور حولك.
راقب استجابتك: إذا شعرت بالانزعاج، توقف فوراً، فقد تكون من أصحاب الميزوفونيا تجاه هذا الصوت المحدد.
والآن دورك: هل سبق وشعرت بتلك
القشعريرة عند الحلاق أو عند سماع صوت تقليب الأوراق؟ شاركنا في التعليقات ما هو
"المحفز" (Trigger) الذي يجعلك تسترخي فوراً.
⚠️ إخلاء مسؤولية:
المعلومات الواردة في هذا المقال هي لأغراض معرفية فقط، ولا تُغني بأي حال من
الأحوال عن الاستشارة الطبية المتخصصة، خاصة إذا كنت تعاني من حالات أرق مزمن
أو اكتئاب أو مشاكل في السمع.
❓ أسئلة شائعة حول الـ ASMR
1. لماذا لا أشعر بقشعريرة الـ ASMR رغم مشاهدة الفيديوهات؟
هذه الحالة تسمى "مناعة الـ ASMR"، وتحدث عند كثرة التعرض لنفس المحفزات،
والحل هو التوقف عن المشاهدة لمدة أسبوعين أو تغيير نوع المحفزات الصوتية
لتجديد استجابة الدماغ.
2. هل يجب ارتداء سماعات الرأس عند الاستماع لمقاطع ASMR؟
نعم، السماعات ضرورية جداً للحصول على التجربة الكاملة، لأن معظم المقاطع
تُسجل بتقنية "الصوت بكلتا الأذنين" (Binaural) أو الصوت ثلاثي الأبعاد الذي
ينتقل من أذن لأخرى لمحاكاة الواقع.
3. ما الفرق بين الـ ASMR والتأمل (Meditation)؟
التأمل يتطلب تركيزاً عقلياً ومجهوداً داخلياً لتصفية الذهن، بينما الـ ASMR
هو استجابة سلبية تلقائية لا تتطلب مجهوداً، حيث يسترخي الدماغ بمجرد سماع
المحفزات الخارجية.
4. هل يمكن للحيوانات الأليفة الشعور بالـ ASMR؟
تشير ملاحظات مربي الحيوانات إلى أن بعض القطط والكلاب تستجيب لأصوات الهمس
والتمسيد الهادئ (المعنى المبسّط للتمسيد: هو لمس خفيف وبطيء) بالاسترخاء
الفوري والنوم، مما يرجح وجود استجابة حسية مشابهة لديهم.
5. هل يسبب الاستماع المستمر للـ ASMR الإدمان؟
لا يوجد دليل علمي على أنه يسبب إدمانًا كيميائياً، لكن قد يعتاد البعض عليه
كوسيلة وحيدة للنوم، لذا يُنصح باستخدامه كأداة مساعدة ضمن روتين نوم صحي
وليس كحل وحيد.
.webp)