random
أخبار ساخنة

Google search

الاستقامة والعمل الصالح

في صحيح مسلم عن سفيان الثوري بن عبدالله الثقفي قال: قلت يارسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل أحداً بعدك. قال: ( قل آمنت بالله ثم استقم ) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وورد أن رجلاً جاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه ارتكب ذنبا وطلب منه أن يعاقبه بما شاء، فلم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم له شيئاً، فذهب الرجل. فأتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم بصره، ثم قال: ردوه عليّ، فردوه، فقرأ عليه: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾. فقال أحد الصحابة: يارسول الله، أله وحده أم للناس كافة؟ فقال: (بل للناس كافة).

وفي هذا النص الكريم يأمر الله سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المسلمين بالتزام الصراط المستقيم، ويخبرهم بأن العمل الصالح يُذهب الأعمال السيئة.

يقول الله عز وجل في القرآن الكريم على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم:

(أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. بسم الله الرحمن الرحيم)

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ۚ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)

العمل الصالح والاستقامة


معاني بعض الألفاظ والتراكيب

فاستقم: الاستقامة هي الاستمرار في جهة واحدة من غير انحراف إلى جهة أخرى.

ولا تطغوا: الطغيان هو مجاوزة الحد في أي أمر من الأمور.

ولا تركنوا إلى الذين ظلموا: الركون إلى الشيء: يعني الميل إليه والمراد بالذين ظلموا: هم المشركون وغيرهم من الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير ويستحلون محارم الله.

فتمسكم النار: أي فتصيبكم النار بسبب ميلكم إليهم والاعتماد عليهم والرضا بأفعالهم.

ثم لا تنصرون: ثم لا تجدون بعد ذلك من ينصركم لأن الظالمين ليس لهم أنصار.

وأقم الصلاة: المراد بإقامتها: هو الإتيان بها في أوقاتها كاملة الأركان والخشوع فيها والإخلاص لله رب العالمين.

طرفي النهار: أول النهار وآخره، والصلاة في هذين الوقتين تشمل صلاة الصبح والظهر والعصر.

وزلفاً من الليل: الزلف جمع زُلفه والمراد بها الساعات من الليل القريبة من آخر النهار.

إن الحسنات يذهبن السيئات: إن الأعمال الحسنة تذهب المؤاخذة على الأعمال السيئة والمداومة على الحسنات تمنع من الاتجاه إلى السيئات.

ذلك: أي ما أمرناك به من الإستقامة والأعمال الصالحة.

ذكرى: أي تذكرة نافعة.

للذاكرين: لمن كان من شأنه التذكر والاعتبار لا الإعراض والعناد.

توجيهات النص الكريم

1- الاستقامة هي طريق النجاح في الحياة .. فعلى المسلم أن يتجه إلى جهة واحدة نحو ربه، ويسير على نهج واحد هو نهج الله، ويلتزم طريقه لا يحيد عنه يمنة ولا يسرة حتى لا تجرفه التيارات الأخرى، فينحرف ويبتعد عن سبيل الله.

قال الله سبحانه وتعالى: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153).

ولك أيها المسلم أن تتصور أثر الاستقامة في حياتك ومستقبلك سواء أكنت تاجراً أم صانعاً أم زارعاً أم قائداً..إلخ.

2- الاعتدال وعدم الطغيان أو تجاوز حدود الله في أي أمر من أمور الحياة سواء  في الأقوال أو الأفعال أو في تعاملنا مع الناس، فقد نهى الله تعالى عن التطرف والإسراف في أي شيء حتى المأكل والمشرب، فقال الله العظيم سبحانه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.

ولا يخفى عليك أثر الإعتدال وعدم تجاوز الحد في الربح في التجارة، وسقي الأرض وغير ذلك من شؤن الحياة.

3- الله سبحانه جل في علاه مُطلع على جميع أحوالنا اطلاع المبصر العليم بظواهرها وبواطنها، وسيجازينا يوم الدين (يوم القيامة، يوم الحساب) بما نستحق من ثواب أو عقاب.

4- ينهى الله العلي القدير سبحانه وتعالى عن الميل إلى الظاليمن الذين يعتدون على حقوق الغير، ويستحلون محارم الله، لأن تأييدنا لهم في ظلمهم يؤدي إلى تقوية جانبهم، وإضعاف جانب الحق والعدل، فنصبح بتعاوننا معهم ظالمين مثلهم، ونستحق أن تمسنا النار يوم القيامة بسبب مناصرتنا أهل الظلم، وفي هذه الحالة لن نجد من ينجينا من عذاب الله وعقابه (نسأل الله العفو والعافية يارب) لأن الظالمين مالهم من أنصار ولا شفعاء.

5- ثم يرشد الله الملك العلي العظيم جل جلاله: عباده المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعدم الطغيان، والبعد عن الظلم والظالمين، فيأمرنا بإقامة الصلوات لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي الركن الثاني من أركان الأسلام وهي عماد الدين من أقامها أقام الدين وهي العهد بيننا وبين الله وهي التي إن صلحت صلح سائر العمل (نسأل الله أن يصلحنا لها ويصلحها لنا فلا حول ولا قوة لنا إلا بالله).

ويجب أن نكون خاشعين فيها (الصلاة) لله سبحانه وتعالى، حتى نحس بالاطمئنان والسكينة، وخصوصاً عن المصائب والنوائب.
وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نستعين بالصبر والصلاة، وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
يعني إذا أشتد على النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمر من الأمور لجأ إلى الصلاة ليطمئن قلبه ويستعين بها على مواجهة ما أصابه من شدة.

6- من رحمة الله الرحمن الرحيم بعباده أنه جعل الحسنات (كالصلاة والزكاة والصيام والحج والاستغفار ومعاملة الناس بالحسنى، وجميع الأعمال الصالحة) تُذهب السيئات، أي تذهب المؤاخذه عليها، وتذهب الاتجاه إلى طريقها، وتساعد على الاستقامة والاعتدال بسبب المداومة عليها والتزامها.

7- يختتم النص الكريم هذه التوجيهات الربانية الحكيمة بالأمر بالصبر على مشاق التكاليف التي كلفنا الله تعالى بها، وعلى مواجهة الطغيان والظلم والظاليمن، وكلنا نعلم قيمة الصبر وأثره في تقوية النفس، وفي الفرد والجماعة، وفي مواجهة المشكلات أياً كان نوعها.

8- وأخيراً يخبرنا الله العليم الحكيم - سبحانه وتعالى - بعد هذه التوجيهات الكريمة بأنه سبحانه وتعالى - لا يُضيع أجر من يلتزم بهذه التوجيهات، ويعمل الأعمال الصالحة التي أمره بها كالاستقامة، وإقامة الصلاة، ويتجنب ما نهى عنه كالطغيان والركون إلى الظالمين (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).
google-playkhamsatmostaqltradent