راموس المصري يجيب: 3 أسئلة عن الذكاء الاصطناعي والكتابة
الكاتب: محمود | الموقع: www.ramos-almasry.com
كل فترة أجمع أسئلة المتابعين وأجيب عليها بصدق، بعيدًا عن الكلام العام الذي
تجده في كل مكان. هذه المرة وصلتني ثلاثة أسئلة تدور كلها حول نفس المحور:
الذكاء الاصطناعي والكتابة. وهي أسئلة ذكية لأن كثيرًا من الناس يلاحظون
المشكلة لكن لا يعرفون لماذا تحدث.
الإجابة المختصرة: نصوص الذكاء الاصطناعي قد تبدو متشابهة لأن كثيرًا من
النماذج يولّد النص بآليات متقاربة تعتمد على توقّع الصياغة الأكثر احتمالًا،
ويمكن أحيانًا ملاحظة بعض العلامات المتكررة فيها، لكن ذلك ليس معيارًا قطعيًا
بمفرده. وهي قد تميل إلى تضخيم الأفكار لأن آلية توليدها لا تتضمن التحقق من
الصدق الواقعي في كل جملة. تابع معي التفاصيل.
السؤال الأول: لماذا تبدو منشورات الذكاء الاصطناعي متشابهة؟
المشكلة ليست في الأداة، بل في طريقة تدريبها
حين تسأل ChatGPT أو Gemini أو أي نموذج آخر سؤالًا، فهو لا "يفكر" كما
تفكر أنت. هو يبحث عن النمط الأكثر احتمالًا للإجابة بناءً على ملايين النصوص
التي تدرّب عليها. والنتيجة؟ تتشابه مخرجات كثير من النماذج لأنها تتعلم من كميات
ضخمة من النصوص المتقاربة في الأساليب والموضوعات، مع اختلافٍ فعليّ في مصادر
التدريب والمعالجة من نموذج إلى آخر.
تخيّل أن ألف شخص قرأوا نفس الكتاب وطُلب منهم كتابة ملخص، ستجد تشابهًا واضحًا
في البنية والأفكار، حتى لو اختلفت الكلمات. هذا بالضبط ما يحدث مع
الذكاء الاصطناعي، لكن على نطاق أوسع بكثير، ولفهم هذه الآلية بعمق أكبر ننصحك بالاطلاع على شرح مبسط لعمل نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية.
ثلاثة أسباب تجعل النصوص تبدو نسخًا من بعضها
- تشابه واسع في المادة اللغوية المتاحة: كثير من نماذج الذكاء الاصطناعي تتعلم من كميات ضخمة من النصوص العامة والمتقاربة في الأسلوب والموضوع، لذلك يظهر بينها قدر من التشابه في الصياغة والأفكار، حتى مع اختلاف بيانات التدريب من نموذج إلى آخر.
- غياب الصوت الشخصي: الذكاء الاصطناعي لا يملك تجربة ذاتية، لا يعرف الفشل ولا النجاح ولا الحيرة. كل ما يكتبه هو "وسط احتمالي" بين ملايين النصوص، وهذا الوسط لا روح فيه.
- القوالب الجاهزة: معظم المستخدمين يستخدمون نفس أساليب الطلب (Prompts)، فتأتي النتائج بنفس الهيكل: مقدمة — نقاط — خاتمة — دعوة للتفاعل. كأنك تشاهد نفس الفيلم بأبطال مختلفين.
ما الذي يميّز الكاتب البشري إذن؟
الكاتب الحقيقي يجلب زاوية نظر لم يتدرب عليها الذكاء الاصطناعي: تجربته
الشخصية، خطأ ارتكبه، موقفًا عاشه، ملاحظة رصدها من الواقع. هذه الأشياء يصعب على
النموذج محاكاتها بنفس صدق الكاتب البشري، لأن التجربة الشخصية الحقيقية تمنح
النص زاويةً نابعة من المعايشة لا من تركيب الأنماط اللغوية فقط.
السؤال الثاني: هل أستطيع تمييز نصوص الذكاء الاصطناعي بسرعة؟
أحيانًا، لكن ليس بشكلٍ قطعي
بعد سنوات من العمل في الكتابة ومراجعة المحتوى، لاحظتُ وجود مؤشرات أسلوبية
تتكرر كثيرًا في بعض النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، لكنها تبقى
مؤشرات ظنية لا تكفي وحدها للحكم القطعي.
العلامات الكاشفة التي أبحث عنها أولًا
1. المقدمة الترحيبية الزائدة
كثير من نصوص الذكاء الاصطناعي تبدأ بجملة مثل: "في عالمنا المتسارع
اليوم..." أو "يُعدّ هذا الموضوع من أهم..." هذه الجمل لا تقول شيئًا حقيقيًا، هي
فقط مقدمات لاستهلاك الوقت قبل الوصول للمحتوى.
2. التوازن الزائف والمصطنع
حين تجد نصًا يقول دائمًا "من ناحية... ومن ناحية أخرى..." في كل فقرة، هذا ليس
توازنًا فكريًا بل هو برمجة. الكاتب البشري يتخذ موقفًا أحيانًا،
الذكاء الاصطناعي يخشى الانحياز فيحاول إرضاء الجميع.
3. الأرقام التي لا مصدر لها
"تشير الدراسات إلى أن 73% من..." بدون ذكر الدراسة أو مصدرها.
الذكاء الاصطناعي يُولّد أرقامًا تبدو منطقية لكنها في الغالب غير موثقة.
4. الخاتمة الدائمة بنفس الشكل
"في الختام، يمكن القول إن..." تليها نقاط تلخيصية ثم جملة تحفيزية. قرأتها مئات
المرات بكلمات مختلفة لكن ببنية واحدة.
5. غياب الرأي الشخصي الحقيقي
اقرأ المقال كله وسل نفسك: هل الكاتب قال شيئًا يخصه؟ هل أخبرك بموقفه؟ هل خالف
الرأي الشائع في نقطة ما؟ إذا كانت الإجابة لا، فقد يكون النص آليًا أو بشريًا
شديد العمومية؛ لذلك تُفهم هذه العلامة كمؤشر أسلوبي لا كحكمٍ قاطع.
أداة ذهنية بسيطة أستخدمها
أسأل نفسي سؤالًا واحدًا: "هل هذا الكلام يمكن أن يقوله أي شخص في أي موضوع؟" إذا
كانت الإجابة نعم، فالنص فارغ، صادر عن آلة أو كاتب يقلّد آلة، وإذا أردت دعم شكوكك الذهنية بأدوات تقنية يمكنك مراجعة دليلنا الشامل عن أدوات كشف نصوص الذكاء الاصطناعي.
السؤال الثالث: لماذا يبالغ الذكاء الاصطناعي في تضخيم الأفكار؟
اختلاق المعلومات له مصطلح معروف هو "Hallucination" أو الهلوسة، وهو يعني توليد
معلومات غير صحيحة بثقة تامة. أما التضخيم الذي أقصده هنا فهو شيء مختلف: مبالغة
أسلوبية في تقدير الأهمية ورفع النبرة العاطفية، حتى عندما تكون المعلومة الأصلية
عادية تمامًا.
لماذا يحدث هذا تحديدًا؟
الذكاء الاصطناعي يُولِّد النص اعتمادًا على أنماط لغوية تعلّمها من كميات
كبيرة من المحتوى المتنوع، وبعض هذا المحتوى يستخدم لغة تسويقية أو انفعالية.
لذلك قد يميل أحيانًا إلى اختيار صياغات تبدو أكبر من حجم الفكرة، لا لأن هدفه
التقني هو "الإقناع"، بل لأنه يعيد تركيب أنماط تعبير شائعة في البيانات التي
تعلّم منها.
أمثلة من الواقع تراها يوميًا
- تسألهُ عن فائدة شرب الماء فيقول: "شرب الماء يمكن أن يُحدث ثورة حقيقية في حياتك ويغيّر مجرى صحتك للأبد."
- تطلب منه وصف منتج بسيط فيقول: "هذا المنتج الاستثنائي الذي سيُعيد تعريف مفهوم الجودة."
- تسأله رأيه في فكرة عادية فيردّ: "هذه الفكرة الرائدة التي تمثّل نقطة تحوّل حقيقية..."
كل شيء عنده "استثنائي" و"ثوري" و"غير مسبوق".
كيف يؤثر هذا على ثقة القارئ؟
القارئ الذكي يشعر بالتضخيم غريزيًا حتى لو لم يستطع تسميته. حين تقرأ نصًا
مليئًا بالمبالغات تبدأ بالتشكيك في كل ما جاء فيه، حتى المعلومات الصحيحة. وهذا
بالضبط ما يدمر مصداقية المحتوى الآلي على المدى البعيد.
الكاتب المحترف يعرف أن الاعتدال في الوصف علامة ثقة. حين أقول "هذا المنتج جيد
ولكنه ليس للجميع"، أنت تثق بي أكثر ممن يقول "هذا المنتج سيغير حياتك."
ماذا تفعل بعد هذه المعلومات؟
إذا كنت كاتبًا أو صاحب موقع، لا تنافس الذكاء الاصطناعي في الكمية، نافسه
بما لا يستطيع تقديمه: صوتك الشخصي، تجربتك الحقيقية، وجرأتك على إبداء رأي واضح، لتضمن بقاء محتواك صامداً ومنافساً وهو ما ناقشناه بالتفصيل في مقالنا عن مستقبل المدونات بعد إجابات الذكاء الاصطناعي.
إذا كنت قارئًا أو مستهلكًا للمحتوى، استخدم العلامات التي ذكرتها لتصفية ما
تقرأ. ليس كل محتوى يصل إليك يستحق وقتك، وتمييز الجيد من الآلي مهارة أصبحت
ضرورية في عصر الفيضان المعلوماتي.
وإذا كنت تستخدم الذكاء الاصطناعي في كتابتك، استخدمه كمساعد لا ككاتب.
اجعله يقترح الهيكل ثم أعد كتابة كل فقرة بصوتك أنت. الفرق بين محتوى يُقرأ
ومحتوى يُتجاهل هو وجودك أنت فيه.
الذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنه يبقى أداة. المشكلة ليست فيه، بل في من
يستخدمه بديلًا عن التفكير لا وسيلةً للتفكير. نصوصه قد تتشابه لأن كثيرًا من
النماذج تعتمد على آليات توليد متقاربة وتتعلّم من كميات كبيرة من النصوص
المتشابهة في الأسلوب والموضوع، ويمكن أحيانًا ملاحظة سمات متكررة فيها دون الجزم
بها من علامة واحدة. وقد تميل إلى التضخيم لأنها تعيد إنتاج أنماط لغوية شائعة في
محتوى يعتمد على المبالغة والانفعال، لا لأنها تملك آلية مستقلة للتحقق من الصدق
قبل الصياغة.
إذا أعجبك هذا النوع من الإجابات الصريحة، شاركني سؤالك الذي تريد أن أجيب عليه
في العدد القادم من نشرة راموس المصري. وإذا وجدت المقال مفيدًا، شاركه مع من
يحتاجه.
محمود — راموس المصري www.ramos-almasry.com
