لطالما سمعت عن التأثير الكبير المتداول للتقنية الحديثة في تيسير أعمالنا، لكنني قررت اليوم أن أكتب بشفافية مطلقة عن الجانب الأقل تداولًا من هذه التجربة. هذه قصتي الشخصية، (بعيدًا عن الشعارات الرنانة)، والتي كلفتني الكثير من المال والوقت والجهد في محاولة لتحسين بيئة عملي.
في البداية، كنت متحمسًا جدًا، وكنت أظن أن الذكاء الاصطناعي سيزيد إنتاجيتي بشكل غير مسبوق وسيغير مسار عملي بالكامل نحو الأفضل والأسرع. كان المشهد العام من حولي يضج بالحديث عن هذه الطفرة؛ منصات التواصل المهنية، والمقالات، وحتى النقاشات الجانبية مع الزملاء كانت تتمحور حول شيء واحد: من لا يستخدم هذه الأدوات سيصبح قريباً خارج المنافسة.
كنت أتابع بشغف تلك المنشورات والمقاطع المرئية التي تتحدث عن إنجاز مهام تستغرق أسابيع في دقائق معدودة، وشعرت أنني سأتخلف عن الركب المهني إذا لم ألحق بهذا التحول التقني. كان الجميع يتحدث عن الفكرة المنتشرة حول قدرات الخوارزميات، وكيف أن المستقبل يميل لمن يتقن استخدام هذه التقنيات لدرجة جعلتني أشعر بنوع من القلق المهني الداخلي.
بناء على هذا الحماس، والصورة المتفائلة التي رُسمت في كل مكان، والضغط النفسي لمواكبة العصر، اشتركت في أكثر من أداة ودفعت أموالًا كثيرة من ميزانيتي الشخصية. كنت أدفع الاشتراكات الشهرية والسنوية المرتفعة وأنا على يقين بأن هذه المبالغ ستعود إلي من خلال زيادة حجم عملي، وتوفير وقتي.
لم أترك منصة مشهورة تقدم خدمات توليد النصوص أو تحليل البيانات إلا واشتركت بها، منتظرًا ذلك العائد الواضح والسريع الذي قرأت عنه، ومبرراً لنفسي تلك النفقات بأنها استثمار ضروري في مستقبلي المهني، لكن المفاجأة بالنسبة لي كانت أن هذا العائد لم يأتِ بالشكل المتوقع أبدًا.
في أول استخدام لكل أداة، كنت أشعر أنها ذكية ومبهرة للغاية. أذكر جيدًا اللحظات الأولى التي كتبت فيها طلبًا بسيطًا ورأيت الكلمات تتدفق على الشاشة بسرعة وتنتظم في فقرات منسقة. كان الشعور بالانبهار يسيطر علي، وكنت أقول لنفسي وأنا أبتسم أمام الشاشة إنني أمتلك الآن مساعدين افتراضيين يعملون بضغطة زر واحدة.
الإحساس بالقدرة على الإنجاز الفوري كان يغمرني، وكنت أتخيل كيف سأنهي قائمة مهامي الطويلة قبل موعدها بأيام. هذا الانبهار الأولي جعلني أتغاضى عن أي عيوب أولية أو صياغات ركيكة في البدايات، معتقداً أن الأمر يحتاج فقط لبعض الوقت لأعتاد على طريقة توجيه الأداة بشكل صحيح.
ولكن، كما يعلمنا الواقع دائمًا، فإن الانطباعات الأولى قد لا تعكس الصورة الكاملة. بعد فترة قصيرة من الاستخدام اليومي والمكثف في مهام عملي الحقيقية، والتي تتطلب تفكيراً نقدياً وإبداعاً، بدأت أكتشف واقعًا مختلفًا: هذه الأدوات تبدو سطحية في كثير من الأحيان وتعطي نفس الأفكار المكررة والمستهلكة.
كلما حاولت التعمق في موضوع معين، أو طلبت زاوية فريدة ومبتكرة لمعالجة قضية معقدة، كنت أجد نفسي أمام نصوص عامة لا تحمل أي عمق حقيقي، وكأنها إعادة صياغة لنفس الكلمات والعبارات المعتادة التي يمكن لأي مبتدئ أن يكتبها. لم أكن أحصل على "رؤية" بل كنت أحصل على "تجميع" لمعلومات سطحية لا ترقى لمستوى الاحترافية الذي أسعى إليه.
ومما زاد من حيرتي أن جميع الأدوات تبدو متشابهة بشكل كبير. كنت أتنقل من اشتراك مدفوع إلى آخر، وألغي خطة أساسية لأشترك في خطة أعلى وأغلى ثمناً، أملاً في العثور على تلك الأداة السحرية التي تفهم حقًا ما أريد وتنفذه ببراعة. كنت أظن أن المشكلة في الإصدار المجاني أو الأساسي، لأصطدم بواقع أن المحرك الأساسي يكاد يكون متقاربًا بين معظم هذه المنصات، والنتائج التي تظهر على شاشتي هي نسخ متشابهة تقريبًا مع اختلافات طفيفة جدًا في اختيار المترادفات أو ترتيب الجمل.
في خضم هذه التجربة المستمرة في البحث عن الأداة المثالية، بدأت أسأل نفسي بجدية: هل الذكاء الاصطناعي مفيد حقًا في مجالي أم أن التوقعات كانت أعلى من الواقع بكثير؟ ومع هذا التساؤل المتكرر، بدأت ألاحظ تفاصيل أكثر إزعاجًا تظهر يوماً بعد يوم. النصوص التي أحصل عليها تبدو صحيحة لغويًا من حيث القواعد الإملائية والنحوية، لكنها غير طبيعية البتة.
عندما تقرأها، تشعر أنها مجمعة آليًا، كأنها مترجمة حرفيًا من لغة أخرى بواسطة نظام يتقن القواعد لكنه لا يدرك التراكيب الجمالية أو السياق الثقافي للغة العربية. الكلمات مرصوصة بشكل صحيح، لكن السياق يبدو باهتًا، خالياً من تلك الروح التي تميز الكتابة البشرية المقنعة.
هذا الأمر جعلني ألاحظ بوضوح أن أسلوب الكتابة الذي تنتجه هذه المنصات هو أسلوب بارد وغير إنساني. يفتقد إلى التجربة البشرية التي تجعل القارئ يتواصل مع النص ويتفاعل معه. لا توجد بصمة شخصية في الكلمات، ولا يوجد تدرج منطقي مبني على خبرة حياتية، بل مجرد قوالب جامدة تفتقر للإبداع البشري المعتاد وتعتمد على هيكل ثابت ومتوقع في كل مرة.
والأسوأ من ذلك، لم يكن فقط برودة الأسلوب أو جمود الكلمات، بل المشكلة الأكبر التي قد تؤثر سلبًا على جودة العمل وموثوقيته كانت في وجود معلومات خاطئة تقدم بثقة عمياء. في كثير من الأحيان، كانت الأداة تصيغ لي فقرات كاملة ومنسقة بدقة شديدة تحتوي على تواريخ غير صحيحة، أو إحصائيات غير دقيقة بدرجة كبيرة، أو استنتاجات منطقية لا تمت للواقع بصلة.
المثير للانتباه هنا هو أن هذه الأخطاء تُكتب بأسلوب جازم ومقنع للغاية، مزينة بعبارات تأكيدية لدرجة أنني كنت أصدقها في البداية وأكاد أدرجها في عملي. وعند مراجعتها وتدقيقها والبحث وراءها في المصادر الموثوقة للتأكد، أكتشف الأخطاء بنفسي، وأدرك أنني كنت على وشك الاعتماد على محتوى غير موثوق في بعض الحالات لولا تدخلي اليدوي والمراجعة الدقيقة. هذا الأمر خلق لدي حالة من الشك الدائم؛ فبدلاً من أن أثق في المخرجات، أصبحت مضطراً لتمحيص كل كلمة ورقم وتاريخ، مما ألغى تماماً فكرة توفير الوقت.
في كل مرة كنت أكتشف فيها هذه الأخطاء، كنت أعود إلى واجهة المحادثة وأوجه الأداة لتصحيحها بناءً على المعطيات الصحيحة التي بحثت عنها بنفسي. وهنا تبدأ سلسلة من المحاولات غير المجدية والمحبطة؛ فالأداة تعتذر كثيرًا، وتستخدم عبارات مهذبة لتقر بخطئها وتعد بتصحيحه فوراً، ثم تقدم لي إجابة جديدة في غضون ثوانٍ قليلة... لكنها في أحيان كثيرة تحمل خطأً جديدًا في نقطة أخرى، أو تعود لتكرار نفس الخطأ القديم بصيغة وتنسيق مختلفين.
هي تعتذر كثيرًا وبأدب شديد، لكنها لا تحل المشكلة فعليًا. وفي أحيان أخرى، أجدها تتجاهل الأوامر تمامًا رغم كتابتها بشكل دقيق ومفصل ومدروس. قرأت الكثير عن "هندسة الأوامر" وكنت أقضى وقتًا طويلاً في صياغة الأوامر وضبط الإعدادات، وأضع شروطًا واضحة في بداية المحادثة، كأن أطلب عدم استخدام جمل افتتاحية معينة، أو التركيز على نقطة محددة دون غيرها، أو الكتابة بنبرة مخصصة، لأتفاجأ بأن النتيجة النهائية تتجاهل تلك المحددات تماماً وكأنني كنت أتحدث إلى أداة لا تتجاوب كما هو متوقع، وتصر على تقديم ما تمت برمجتها عليه بشكل مسبق.
كل هذه التراكمات اليومية والمعارك الصغيرة مع واجهة المحادثة جعلتني أصل إلى نتيجة واضحة وتجربة واقعية بالنسبة لطبيعة عملي: أحتاج إلى تعديل النص بشكل كبير جدًا لدرجة تفرغه من طبيعته الآلية ليصبح صالحاً للاستخدام. لم يعد الأمر مجرد مراجعة سريعة أو تدقيق إملائي روتيني قبل النشر، بل أصبح عملية إعادة صياغة مطولة ومعقدة. كنت أجد نفسي أحذف أجزاء كبيرة مما أنتجته الأداة لأنها حشو لا داعي له، وأعيد كتابة الباقي لجعله يبدو بشريًا ومنطقيًا ومترابطًا ويحمل رسالة حقيقية.
والمفارقة هنا، والتي أدركتها بعد أسابيع وشهور من المحاولات، هي أن العمل أصبح أبطأ بدلًا من أن يكون أسرع. نعم، بدلاً من أن توفر لي أدوات AI الوقت والجهد كما كنت أتوقع عند دفع تلك الاشتراكات، أصبحت تستهلك وقتي في قراءة نصوص طويلة تحتاج لتدقيق مكثف، ثم محاولة تصحيحها، ثم الاستسلام والبدء من جديد بجهدي الشخصي وكتابتها من الصفر.
لقد زادت هذه العملية من وقت إنجاز المهمة الواحدة وجعلتني أستغرق وقتًا أطول من المعتاد. رغم كل ذلك، ولكي أكون منصفاً وموضوعياً في سرد هذه التجربة، لاحظت أن هذه الأدوات قد تكون مفيدة في بعض المهام البسيطة مثل توليد أفكار أولية عندما أواجه حالة من الانغلاق الفكري، أو تنظيم النقاط الأساسية لهيكل مقال، لكن الاعتماد الكامل عليها كبديل لعملي الفعلي لم يكن مناسبًا لتجربتي الشخصية على الإطلاق، وكانت نتائجه مخيبة للآمال.
ولم يتوقف الأمر عند حدود دفع اشتراكات متكررة لم أستفد منها بالكامل، أو قضاء وقت إضافي ومضاعف في التعديلات والمراجعات، بل امتد ليؤثر على سير عملي اليومي وحالتي الذهنية بشكل ملحوظ. تأثير التجربة على تركيزي كان واضحاً، فقد بدأت أشعر بضغط واضح وتوتر غير مبرر أثناء العمل.
كنت أجلس أمام الشاشة، أشعر بأن التجربة برمتها غير مريحة؛ لأنني كنت أعيش صراعاً داخلياً بين محاولة تبرير واستغلال أدوات مدفوعة تقتطع من ميزانيتي شهرياً، وفي نفس الوقت أجد صعوبة بالغة في استخراج نتائج تخدم طموحي المهني أو ترقى لجودة ما أقدمه عادة لعملائي أو جمهوري.
هذا التكرار اليومي للإحباط أدى إلى تشتت انتباهي. أصبحت أقل تركيزًا عند محاولة الكتابة أو العمل بهدوء وتأمل كما كنت أفعل في الماضي، ووجدت نفسي عالقًا في دائرة مفرغة بين محاولة توجيه أداة تعطي نتائج غير منطقية، وبين إنجاز عملي المتراكم الذي ينتظر مني تدخلاً حقيقياً. كل محادثة مع الأداة كانت تتحول إلى مهمة مرهقة تستنزف طاقتي الذهنية التي كان من الأفضل استثمارها في الإبداع الشخصي.
في خضم هذه التجربة المرهقة، جلست في إحدى الليالي أتأمل شاشتي بعد أن اتخذت قرارًا حاسماً بإلغاء معظم تلك الاشتراكات، والاعتماد بشكل أكبر على جهدي الشخصي وتقليل استخدام تلك المنصات المدفوعة التي سببت لي إرهاقًا واضحًا أكثر مما قدمت لي من تسهيلات.
أغلقت النوافذ المتعددة، استنشقت هواءً عميقًا، وبدأت أسأل نفسي بصدق وواقعية بعيداً عن ضجيج العالم التقني: هل كانت حياتي وعملي أسهل قبل الذكاء الاصطناعي؟ الإجابة التي ترددت في داخلي فوراً، والتي استنتجتها من خلال معاناتي وتجربتي الشخصية خلال الأشهر الماضية، كانت نعم وبكل تأكيد.
لقد كانت خطواتي أبطأ ربما في الماضي، ولم أكن قادراً على ملء عشرات الصفحات في ثوانٍ، لكنها كانت خطوات واثقة، تعتمد على بحثي الخاص، وفهمي العميق للموضوع، وتفكيري المستقل. كانت النصوص والأعمال التي أنتجها تحمل أسلوبي، بصمتي، وتجربتي كإنسان يتفاعل مع محيطه.
اليوم أكتب هذه الكلمات بيدي، حرفاً بحرف، معتمدًا على أفكاري الصافية، لأوثق تجربتي مع الذكاء الاصطناعي ومشاكله التي واجهتها بشفافية. أكتبها ليس للتقليل من شأن التكنولوجيا أو إنكار التطور، ولكن كإنسان مهني جرب وراء الكواليس، ووجد أن العقل البشري، ببطئه الطبيعي، وتفاعله الواقعي، وميله للخطأ والصواب، يظل دائمًا أصدق وأكثر كفاءة وإقناعاً من الاعتماد المطلق على أدوات لا زالت، في جوهرها، تحتاج للكثير من التطوير لتفهم تعقيد التجربة الإنسانية.
