لم أكن أنوي السهر هذه الليلة، ولا استعادة شيء مما مضى. كل ما في الأمر أن هدوء الغرفة بعد منتصف الليل دفعني إلى فتح هاتفي لأحذف بعض الملفات القديمة، وهناك، بين صور وملاحظات منسية، ظهرت أمامي لقطة شاشة احتفظت بها منذ شهور طويلة. كانت لرسالة قصيرة كُتبت في ليلة عادية جدًّا، تقول صاحبتها فيها بعفوية مطمئنة: لا تحمل همًّا، أنا معك دائمًا مهما تغيرت الظروف. أطلت النظر إلى تاريخ الرسالة، ومرت على وجهي ابتسامة باهتة؛ بدا لي غريبًا أن تبقى الكلمات محفوظة بكامل دفئها على شاشة صغيرة، بينما تمضي صاحبتها بعيدًا كأنها لم تقلها يومًا.
لم تكن علاقتي بها علاقة عابرة ولا وليدة صدفة سريعة، بل كانت ألفة بُنيت على مهل، يومًا بعد يوم، وتفصيلًا صغيرًا فوق تفصيل آخر. كانت هي الإنسانة التي تعرف نبرة صوتي حين أتعب قبل أن أشكو، وتفهم معنى صمتي حين تضيق بي الكلمات، وتحفظ مواعيد قهوتي، والأشياء البسيطة التي تبهجني، والأفكار التي تؤرقني قبل النوم. معها فقط كنت أستريح من عبء الشرح والتبرير، وأشعر بأنني لست مضطرًا لأبدو قويًّا طوال الوقت، لأن هناك من تعرف ضعفي ولا تستثقله.
في البداية، كنت بطبعي حذرًا، أترك دائمًا مسافة أمان بيني وبين الناس خشية أن أتعلق ثم أُترك في منتصف الطريق. لكنها كانت تكرر وعدها بالبقاء في كل مرة تلمح فيها ترددي، ولم يكن كلامها مجرد مجاملة عابرة تُقال في لحظات الحماس، بل كانت تسنده مواقف صغيرة جعلتني أصدق حقًّا أنها مختلفة. أتذكر كيف بقيت معي على الهاتف ذات ليلة كنت أمر فيها بضيق شديد، لم تملّ من صمتي الطويل، وقالت لي يومها إن وجودها ليس مرتبطًا بأيام فرحي وحدها. وأتذكر كيف كانت تلاحظ غيابي لساعات قليلة، وتبادر بالسؤال قبل أن أطلب اهتمامها. تلك المواقف هي التي هدمت أسوار حذري، وجعلتني أعيش حالة من التوهج والامتلاء، كأن الحياة كلها صارت أخف وزنًا لأن لي فيها ركنًا آمنًا لا يتغير.
لم يتغير ذلك كله دفعة واحدة، بل بدأ البعد بتفاصيل صغيرة حاولت في وقتها ألا أتوقف عندها كثيرًا؛ رسالة أكتبها بشغف فلا يأتيني الرد عليها إلا في اليوم التالي بكلمتين مقتضبتين، وحديث طويل أفتحه عن أمر يشغلني فتقابله بفتور هادئ ينهي الكلام قبل أن يبدأ. كنت في كل مرة أخلق لها عذرًا جديدًا في نفسي؛ أقول لعلها مرهقة من العمل، أو منشغلة بأمور لا تود إثقالي بها، وأؤجل الأسئلة التي كانت تلحّ على صدري، لأن تصديق الأعذار كان أهون عليّ بكثير من مواجهة فكرة أن الأمان الذي اطمأننت إليه بدأ يتسرب من بين يدي.
مرت أسابيع وأنا حائر بين الشك والانتظار، أترقب رسالة لا تأتي، وأمسك الهاتف عشرات المرات لأكتب سؤالًا بسيطًا ثم أتراجع وأمسحه خشية أن أبدو ثقيلًا أو ملحًّا. صرت أعود في آخر الليل إلى محادثاتنا القديمة، أرفع الشاشة إلى الأعلى لأقرأ كيف كانت تتحدث معي بلهفة واهتمام، وأقارن بين تلك السطور الطويلة الدافئة وبين ردودها الأخيرة الباردة التي تقتصر على كلمات معدودة لا روح فيها. كنت أحاول أن أعثر على اللحظة الدقيقة التي تغير فيها كل شيء، أو الخطأ الذي ربما ارتكبته دون قصد، فلا أجد أمامي سوى أسئلة معلقة بلا جواب.
أما اللحظة التي أدركت فيها الحقيقة كاملة، فكانت خلال حديث قصير دار بيننا بعد انقطاع دام عدة أيام. تحدثت معي يومها بأدب رسمي متقن، وسألتني عن أحوالي بالطريقة العامة التي يسأل بها المرء شخصًا التقاه مصادفة في الطريق، متجاهلةً كل ما تعرفه عن أيامي وتفاصيلي التي كانت شريكةً فيها. انتظرت منها أن تفسر هذا البعد، أو أن تقول كلمة واحدة تعيد الأمور إلى موضع واضح، لكنها أنهت الحديث كما بدأته، ببرود مهذب لا يترك بابًا للسؤال أو العتاب. في تلك اللحظة تحديدًا سقطت كل الأعذار دفعة واحدة، وفهمت أن المسافة بيننا لم تعد مسافة انشغال أو وقت، بل قرارًا صامتًا بالابتعاد، وأنها، بعد أن كانت أقرب الناس إليّ، قد تحولت أمام عيني إلى غريبة لا أعرفها ولا تعرفني.
أصعب ما في الخذلان ليس أن يغيب عنك من تحب، ولا أن تعود لتمضي أيامك وحدك، بل أن تكتشف أن الوعود التي منحتك الأمان لم تصمد أمام أول تغير، وأن الكلمات التي اطمأن إليها قلبك كانت أضعف من أن تبقى حين احتجت إليها.
منذ ذلك اليوم وأنا أختبر معنى الانطفاء الذي يعقب كل ذلك التوهج، حين يهدأ الحماس في الروح، وتفقد التفاصيل اليومية بهجتها التي كانت تستمدّها من المشاركة. عرفت عن قرب قسوة الهجران الذي يأتي بعد مودة صادقة، وثقل الذكريات حين تبقى حية في ذهن طرف واحد بعد أن طواها الطرف الآخر ومضى. المؤلم حقًّا هو هذا التحول الصامت؛ أن يغدو الصوت الذي كان مألوفًا لك كصوتك، بعيدًا عنك كأن صاحبته لم تمرّ بيومك قط.
الليلة لا أشعر بالغضب، ولم تعد بي رغبة في العتاب أو انتظار إجابات متأخرة، لكن أثر ما حدث ما زال في داخلي. غير أنني وصلت إلى هدوء صادق يجعلني أرى التجربة على حقيقتها؛ فبعض الناس لا يمرون في حياتنا ليعمروها، بل يدخلونها ليتركوا فيها ثقلًا طويلًا ثم يمضون. وقد أدركت أخيرًا أن التوقف عن انتظار عودتهم هو الخطوة الأولى لكي يستعيد الإنسان نفسه التي استُنزفت في الترقب.
مسحت تلك الصورة القديمة بهدوء، ثم أطفأت شاشة الهاتف ووضعته مقلوبًا بجانب وسادتي. رفعت بصري في سكون الليل، ودعوت الله بقلب خاشع ومتعب أن ينقّي طريقي من شوائب البشر، أولئك الذين يدخلون حياة الآخرين بوعود لا يوفون بها، فلا يتركون خلفهم إلا الألم والثقل. سألت الله أن يرزق قلبي طمأنينة لا تتوقف على بقاء أحد، ثم سحبت الغطاء على كتفي وأغمضت عينيّ مستسلمًا للنوم رغم كل ما لا يزال يوجعني في داخلي، ولتكن خاتمة هذه الليلة الطويلة كلمة هادئة أربت بها على قلبي: أحلام سعيدة.
