recent
أخبار ساخنة

هل يلحق اليمن بركب السعودية في سباق الذكاء الاصطناعي؟

بقلم: محمود | www.ramos-almasry.com

الإجابة المباشرة: لا، ليس بعد. لكن القصة لا تنتهي هنا.
السعودية تُنفق المليارات وتبني مدنًا للمستقبل وتُوقّع شراكات مع أكبر شركات التقنية في العالم، بينما اليمن لا يزال يصارع انقطاع الكهرباء وعدم الاستقرار. هذا هو الواقع، لكن داخل هذا الواقع الصعب تُوجد شرارات تستحق الرصد والتحليل. في هذا المقال ستجد قراءة تحليلية مقارِنة بين المشهدين، وتشخيصًا للتحديات، وإجابة صادقة عن السؤال: هل ثمة أمل فعلي لليمن في ركوب موجة الذكاء الاصطناعي؟

صورة توضيحية تقارن بين تطور الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية في السعودية واليمن، مع إبراز فجوة الرؤية والبيانات والبنية التقنية بين البلدين.

أين تقف السعودية الآن في مسيرة الذكاء الاصطناعي؟

تسارعت في السعودية خلال السنوات الأخيرة مبادرات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية 2030 [4]، وتجلّى ذلك في سلسلة من المبادرات الفعلية:
  • الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA): جهة حكومية متخصصة تقود الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي والبيانات
  • منصة أبشر: منصة إلكترونية تقدم خدمات وزارة الداخلية رقميًا للمواطنين والمقيمين والزوار [7]
  • صندوق الاستثمارات العامة: استثمر في شركات تقنية عالمية، من أبرزها Uber [1]، ضمن توجه أشمل نحو الاقتصاد الرقمي
والأهم من كل هذا أن السعودية لم تكتفِ بالاستخدام والاستيراد؛ بل دعمت بناء الكفاءات الرقمية عبر برامج ومبادرات تعليمية وتدريبية [4]، وظهرت فيها أيضًا مساهمات بحثية معلنة في تطوير النماذج العربية، من أبرزها أبحاث جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) ومشروع AceGPT [2]، بما يدل على انتقال جزئي من الاستخدام إلى الإسهام البحثي والتطبيقي الذي يؤهلها للمنافسة بقوة، ولمعرفة أين يضعها هذا التقدم عالمياً، يمكنك الاطلاع على تحليلنا لموقع السعودية في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

وأين يقف اليمن؟ قراءة في الواقع بلا تجميل

الحديث عن اليمن في سياق الذكاء الاصطناعي يستوجب أمانة كاملة: البلاد تعيش نزاعًا مسلحًا مدمّرًا منذ 2014، مع تصاعد إقليمي واضح منذ 2015 [5]، أنهك البنية التحتية وشتّت الكفاءات وأوقف مشاريع التنمية.
لكن حتى في هذا الظرف، ثمة صورة أكثر دقة مما نظن:

ما يعيق اليمن فعلًا:
  • غياب بنية تحتية رقمية مستقرة: انقطاع الكهرباء والإنترنت البطيء يجعلان الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي تحديًا يوميًا لا مجرد عقبة تقنية
  • نزيف الكفاءات: ربما أثّر النزاع في بقاء بعض الكفاءات داخل اليمن واستمرار عمل بعضها خارجه، مع صعوبة قياس هذا الأثر رقمياً بدقة
  • غياب الإطار المؤسسي المعلن للذكاء الاصطناعي: لا تظهر في اليمن حتى الآن استراتيجية وطنية معلنة تربط التحول الرقمي ببحوث الذكاء الاصطناعي بمستوى مؤسسي مماثل لما هو معلن في السعودية
لكن هناك ما يُفاجئك:

في ظل غياب إحصاءات رسمية محدثة، تبقى المؤشرات التالية قابلة للرصد لا للقياس الدقيق:
  • يمكن الاستفادة من منصات تعليمية رقمية مجانية أو منخفضة الكلفة كـ Coursera و YouTube في بناء المهارات
  • ثمة مؤشرات متناثرة على نشاط بياني وبحثي مرتبط باللهجات اليمنية، من بينها مجموعات بيانات منشورة على منصات مفتوحة كـ Kaggle [3]، وإن ظل المشهد محدودًا

الفجوة الحقيقية بين البلدين: ليست فقط في المال

كثيرون يختزلون الفارق في حجم الإنفاق، وهذا منطق ساذج. الفجوة أعمق من ذلك، وتتجلى في مستويين جوهريين:

أولًا: فجوة الرؤية الاستراتيجية والإطار المؤسسي

السعودية تمتلك استراتيجية وطنية معلنة للذكاء الاصطناعي [4]، وهيئة تنظيمية متخصصة (SDAIA)، ومبادرات قطاعية ممتدة تربط التحول الرقمي ببحوث الذكاء الاصطناعي. في المقابل، لا تظهر في اليمن حتى الآن بنية مؤسسية مماثلة في هذا الملف تحديدًا، إذ يتركز الخطاب الرسمي المتاح بدرجة أكبر على التحول الرقمي العام وتنمية المهارات، دون خارطة طريق معلنة للذكاء الاصطناعي. وهذه الثغرة هي محور الفجوة الأوسع، لأنها تؤثر في كل ما يتفرع عنها: الاستثمار، والبحث، وبناء البيانات، وتكوين النظام البيئي التقني.

ثانيًا: فجوة البنية التحتية والبيانات

الذكاء الاصطناعي يحتاج بيانات وبنية تتيح توليدها وإدارتها. السعودية تمتلك منصات حكومية رقمية فاعلة واستراتيجية بيانات وطنية منشورة [4]، مما يُوفّر قاعدة لبناء نماذج ملائمة للسياق المحلي. في المقابل، تواجه اليمن تحديات جوهرية في الوصول الرقمي والجاهزية التقنية، مما يُضيّق حتى إمكانية توليد البيانات الأساسية اللازمة لأي مسار بحثي تطبيقي.

هل ثمة سيناريو واقعي لليمن؟

التفاؤل المبني على الوقائع أفضل من التفاؤل الأعمى. إليك سيناريو قد يكون قابلًا للتطبيق إذا تحسّنت الأوضاع:

السيناريو الأكثر واقعية: نموذج "الاقتصاد الرقمي الخارجي"

يُحتمل وجود كفاءات يمنية عاملة في الخارج في مجالات تقنية، وإن ظل تقدير حجمها الفعلي خارج نطاق ما تتيحه البيانات المنشورة حاليًا. إذا توفّر استقرار نسبي، يمكن لهذه الكفاءات أن تُشكّل رأس حربة لمشاريع رقمية تُقدّم خدماتها محليًا. ويمكن الاستئناس ببعض تجارب التحول الرقمي في دول أعادت بناء قدراتها المؤسسية، كرواندا التي تسير في مسار التحول الرقمي عبر مشاريع موثقة كمشروع التسريع الرقمي RDAP [6]، وإستونيا التي بنت منظومة حكومية رقمية متكاملة، وبحسب e-Estonia أصبحت خدماتها الحكومية متاحة رقميًا بالكامل عبر القنوات الرقمية [8]، ما يوحي بأن البناء المؤسسي عنصر حاسم إلى جانب الموارد، دون أن يُقرأ ذلك كوعد بأن اليمن سيصبح مثلهما في المدى المنظور.

ما الذي يحتاجه اليمن فعليًا للبدء؟

هذا السؤال العملي هو الأهم. فيما يلي ثلاثة محاور أولوية مقترحة يمكن البدء بها:

1. الاستثمار في التعليم الرقمي بالتوازي مع الإعمار

لا ينبغي انتظار انتهاء الحرب لتدريب الشباب. برامج التدريب على الذكاء الاصطناعي والبرمجة يمكن أن تعمل بالتوازي مع أي جهود إعادة إعمار، لأن بناء المهارات البشرية قد يكون من أكثر المسارات قابلية للبدء المبكر مقارنة بالمشروعات البُنيوية الثقيلة، ولتأسيس هذه المهارات بشكل سليم يمكن الاستفادة من مبادئ الذكاء الاصطناعي ودليله الشامل للمبتدئين.

2. بناء حوكمة رقمية من الآن

وضع أُطر تنظيمية للبيانات والخصوصية الرقمية حتى قبل أن تتوفر الأدوات، إذ ومن منظور تحليلي، قد تجعل الفوضى التنظيمية في الفضاء الرقمي المعالجة اللاحقة أكثر كلفة وتعقيدًا.

3. توجيه الشتات نحو الاستثمار في الداخل

إنشاء منصات ربط بين الكفاءات اليمنية في الخارج حيثما وُجدت، والشباب داخل البلاد، بما يدعم نقل الخبرة وبناء المهارات وفتح مسارات تعاون عملية.

لماذا يهمّ هذا السباق اليمن أكثر من غيره؟

قد يبدو السؤال مفارقًا: لماذا نتحدث عن الذكاء الاصطناعي في بلد تعاني فيه المستشفيات من نقص الدواء؟
الإجابة أن الذكاء الاصطناعي ليس ترفًا رقميًا في القرن الحادي والعشرين؛ إذ يمكن أن تُستخدم تقنياته في مجالات عدة كتحسين توصيل الخدمات ودعم التخطيط وإدارة الموارد، في بعض السياقات وإذا توافرت البيانات والحوكمة والإشراف المهني المناسب.

إذا كنت يمنيًا يعمل في التقنية أو يدرسها أو يُريد الدخول إلى هذا المجال، إليك ما يمكنك فعله الآن:
  • استكشف الأدوات المتاحة: تتوفر أدوات مجانية أو منخفضة التكلفة كـ ChatGPT وClaude وGemini وHugging Face بدرجات متفاوتة بحسب البلد والمنصة، ابحث عن الخيار الأنسب لظروفك واستخدمه في مشاريع حقيقية لا في التجربة العشوائية، ولتسهيل هذا البحث يمكنك مراجعة مقارنة شاملة لأبرز وأفضل أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة.
  • انضم إلى مجتمعات التقنية العربية: يمكن متابعة نقاشات ومجتمعات تقنية عربية على منصات مثل X وLinkedIn وDiscord بحسب المجال والبلد
  • وثّق مشاريعك على GitHub: الرؤية هي أقوى سيرة ذاتية في هذا المجال
  • اهتم بتطبيقات السياق اليمني: الترجمة الآلية للهجة اليمنية، التعرف على الكلام العربي، نماذج بيانات المناطق النائية، قد تمثل مجالات واعدة للبحث والتطوير في السياق اليمني

إخلاء مسؤولية: يعتمد هذا المقال على قراءة تحليلية نوعية ومقارنة تفسيرية للمشهدين السعودي واليمني في ضوء المصادر المتاحة. لا يدّعي تقديم دراسة إحصائية أو تقرير ميداني، بل هو قراءة تحليلية تستند إلى مصادر مذكورة في قسم المراجع أدناه.

خاتمة
اليمن لن يلحق بالسعودية في سباق الذكاء الاصطناعي في المدى المنظور، هذه خلاصة راجحة في ضوء المعطيات الحالية. لكن السؤال الأدق ليس "متى يلحق؟"، بل "هل يضع اللبنة الأولى الآن؟". وأرى أن التأخر في بناء الكفاءات الرقمية والسياسات الواضحة قد يُضيّق فرص تقليص الفجوة لاحقًا. والاستثمار في التعليم الرقمي والحوكمة المؤسسية والاستفادة من الكفاءات اليمنية في الخارج حيثما أمكن ليس رفاهية مؤجلة لما بعد الحرب، بل هو جزء لا يتجزأ من أي مشروع إعادة إعمار جاد. شرط اللحاق ليس الموارد وحدها، بل القرار بالبدء.

كتبه: محمود
المصدر: www.ramos-almasry.com

المراجع
[1] صندوق الاستثمارات العامة السعودي — استثمار 3.5 مليار دولار في Uber (2016):
https://www.pif.gov.sa/en/news-and-insights/press-releases/2016/saudi-arabian-pif/

[2] مستودع كاوست البحثي — مشروع AceGPT: نموذج لغوي عربي كبير:
https://repository.kaust.edu.sa/handle/10754/694608

[3] Kaggle — مجموعة بيانات ArSyra اليمنية العربية:
https://www.kaggle.com/datasets/aqlomate/arsyra-yemeni

[4] الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) — الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي:
https://sdaia.gov.sa/en/SDAIA/SdaiaStrategies/Pages/NationalStrategyForDataAndAI.aspx

[5] AP News — خلفية النزاع اليمني:
https://apnews.com/article/2af65a4e441b0547595031ca3b5da848

[6] الهيئة الوطنية لتقنية المعلومات في رواندا — مشروع التسريع الرقمي (RDAP):
https://www.risa.gov.rw/projects/rdap

[7] منصة أبشر — البوابة الحكومية الرقمية السعودية:
https://www.absher.sa

[8] e-Estonia — الخدمات الحكومية الرقمية الإستونية:
https://e-estonia.com/estonia-100-digital-government-services/
google-playkhamsatmostaqltradent